محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
60
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقيل : « الكريم الذي لا يخيّب رجاء المؤمّلين » وأجمع العبارات في معنى وصف الكريم ما قيل : « الكريم الذي إذا قدر عفا ، وإذا وعد وفى ، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجا ، ولا يبالي كم أعطى ، ولا لمن أعطى ، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى ، وإذا جفي عاتب وما استقصى ، ولا يضيع من لاذبه والتجأ ، ويغنيه عن الوسائل والشفعا ، فإذا كانت هذه الصفات لا يستحقها أحد سوى اللّه تعالى فينبغي إذن أن لا تتخطاه آمال المؤمّلين إلى غيره ، كما قال بعضهم : حرام على من وحّد اللّه ربّه * وأفرده أن يجتدى أحدا رفدا « 1 » ويا صاحبي قف بي مع الحق وقفة * أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا « 2 » وقل لملوك الأرض تجهد جهدها * فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك ، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعا ، من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعا ؟ ! إذا أورد اللّه تعالى عليك حاجة أو أنزل بك نازلة ، فاعلم أنه لا رافع لها سواه ، إذ يستحيل أن يرفع غيره ما كان هو له واضعا لثبوت توحيده في أن لا فاعل سواه ؛ إذ هو غالب على أمره ، لا يغالبه أحد . ويستحيل أيضا أن يرفعها عن نفسه لو نزلت به لثبوت عجزه وضعفه ، ومن المحال تعلّقك في حاجتك بمن هو محتاج مثلك . قال بعضهم : « من اعتمد على غير اللّه فهو في غرور مما لا يدوم ، ولا يدوم شيء سواه ، وهو الدائم القديم الذي لم يزل ولا يزال ، وعطاؤه وفضله دائمان ، فلا تعتمد إلّا على من يدوم عليك منه الفضل والعطاء في كل نفس وحين وأوان وزمان » . قال عطاء الخراساني « 3 » ، رضي اللّه عنه : « لقيت وهب بن منبه في الطريق ، فقلت : حدّثني حديثا أحفظه عنك في مقامي وأوجز ، قال : أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام : يا داود أما وعزّتي وجلالي لا يستنصر بي عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيّته ، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن ، والأرضون السبع ومن فيهن إلّا جعلت له منهن فرجا ومخرجا ، أما وعزّتي وجلالي وعظمتي لا يستعصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيّته إلّا قطعت أسباب السماوات السبع من يده وأسخت الأرض من
--> ( 1 ) اجتدى فلانا : طلب جدواه أي الفناء والنقع والعطاء . والرفد : العطاء والصلة . ( 2 ) الوجد : الحب الشديد . ( 3 ) عطاء بن مسلم بن ميسرة الخراساني ( 50 - 135 ه - 670 - 752 م ) نزيل بيت المقدس . مفسر كان يغزو ويكثر من التهجد في الليل . من تصنيفه « التفسير » و « الناسخ والمنسوخ » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 235 ، وشذرات الذهب 1 / 192 ) .